ابن ميثم البحراني

306

شرح نهج البلاغة

فقوله : أمّا بعد . إلى قوله : ببصير . صدر الخطبة وكأنّه عليه السّلام فهم ممّن خرجت هذه الخطبة بسببه أنّهم إنّما يستبدّون بآرائهم من دون مراجعة عن كبر منهم على التعلَّم والاستفادة ومحبّة الراحة من تحمّل كلفة التحرّي في الدين والتحرّز من الغلط فيه ومشقّة الطلب فلذلك خوّفهم من حال الجبابرة وأن تصيبهم بترك قواعد الدين إلى آرائهم المتفرّقة فيستعدّوا للهلاك بقوله : إنّه لم يقصم جبّاري دهر إلَّا بعد إمهالهم ورخائهم فإنّهم إذا أمهلوا وانغمسوا فيما هم فيه من الرخاء والترف أعرضوا عن الآخرة ونسوا ذكر اللَّه تعالى فاستعدّوا بتركهم لقوِانين الدين الَّتي بها نظام العالم للهلاك ونحوه قوله تعالى « وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً » ( 1 ) وكذلك قوله : ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء . كنّى بجبران العظم عن قوّتهم بعد الضعف كناية بالمستعار ، وصدق هذه القضيّة ظاهر فإنّ أحدا من الأمم المتّبعين لأنبيائهم أو لملوكهم في إظهار دين أو طلب ملك لن يصلوا إلى مطلوبهم إلَّا بعد قوّتهم وتضاعفهم وتظاهر بعضهم ببعض ومعاناة بلاء أثر بلاء بحيث يستعدّون بذلك للفزع إلى اللَّه تعالى فيهيّىء قلوبهم لقبول الألفة ويعدّها باجتماع عزائمها لقبول صورة النصر ، وفيه تنبيه على وجوب الاتّحاد في الدين وعدم تشتّت الآراء فيه فإنّ ذلك يدعو إلى التحزّب والتفرّق ويدخل عليهم الوهن والضعف وكلّ ذلك ضدّ مطلوب الشارع كما سبق ، ويحتمل أن يكنّى بقوله : لم يقصم جبّاري دهر . عن جبّاري وقته كمعاوية وأصحابه ، وبقوله : لم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء . عن أصحابه فنبّههم بالكلمة الأولى على أنّ أولئك الجبّارين وإن طالت مدّتهم وقويت شوكتهم فإنّما ذلك إملاء من اللَّه لهم ليستعدّوا به للهلاك ، وبالكلمة الثانية على أنّكم وإن ضعفتم وابتليتم فذاك عادة اللَّه فيمن يريد أن ينصره ثمّ عقّب ذلك بتوبيخهم على الاختلاف وتشعّب الآراء والمذاهب في الدين لما أنّ ذلك يؤدّى إلى طول محنتهم وضعفهم عن مقاومة عدوّهم . وقوله : وفي دون ما استقبلتم من عتب : أي من عتابي لكم واستدبرتم من خطب :

--> ( 1 ) 17 - 17 .